
علم النفس الإجرامي: فهم السلوك وحدود التقييم النفسي
يثير علم النفس الإجرامي فضولًا واسعًا، خاصة مع انتشار قصص الجرائم والأعمال الدرامية التي تحاول تفسير دوافع مرتكبيها. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من صورة شخص يستطيع قراءة العقول أو تحديد المجرم من نظرة واحدة. فهذا المجال يدرس السلوك المرتبط بالجريمة والعوامل التي قد تسهم فيه، مع مراعاة البيئة والظروف والتاريخ الشخصي. ومن منظور صحي، تبرز أهميته في فهم المخاطر، وتقديم الرعاية المناسبة، وتقليل تكرار الأذى، دون وصم المصابين باضطرابات نفسية أو تبرير الاعتداء على الآخرين.
أهم النقاط
- علم النفس الإجرامي مجال لفهم السلوك المرتبط بالجريمة، وليس تشخيصًا طبيًا مستقلًا.
- ينشأ السلوك الإجرامي من تفاعل عوامل فردية واجتماعية وظرفية، ولا يفسره عامل واحد.
- معظم المصابين باضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، ولا يعني ارتكاب جريمة وجود مرض نفسي.
- التقييم المهني يعتمد على مقابلات ومعلومات متعددة، ولا يكشف الكذب أو يتنبأ بالجريمة بيقين.
- التهديد الجدي أو فقدان السيطرة مع احتمال إيذاء النفس أو الآخرين يستدعي مساعدة عاجلة.
أُعدّت هذه النقاط بمساعدة الذكاء الاصطناعي لتلخيص أهم ما في المقال وتسهيله على القارئ. المحتوى للتثقيف الصحي ولا يغني عن استشارة الطبيب.
ما علم النفس الإجرامي؟
علم النفس الإجرامي مجال يهتم بالأفكار والانفعالات والدوافع وأنماط السلوك المرتبطة بالأفعال المخالفة للقانون. وقد يتناول كيفية اتخاذ القرار أثناء الجريمة، وتأثير الاندفاع أو التعاطي أو ضغط الجماعة، والعوامل التي تساعد على تكرار السلوك أو التوقف عنه. وهو ليس مرضًا ولا تشخيصًا يُطلق على شخص، ولا يفترض أن جميع مرتكبي الجرائم يتشابهون نفسيًا.
كما أن تعريف الجريمة قانوني ويتغير بحسب الأنظمة والسياقات، بينما يركز التقييم النفسي على الوظائف العقلية والسلوك والاحتياجات العلاجية. لذلك لا تكفي مخالفة القانون وحدها للاستنتاج بأن الشخص يعاني اضطرابًا نفسيًا، ولا يمنح تفسير دوافعه حكمًا نهائيًا على مسؤوليته القانونية.
الفرق بين علم النفس الإجرامي والشرعي وعلم الجريمة
تتداخل هذه المجالات، لكن التمييز بينها يساعد على فهم دور كل تخصص. وقد تختلف المسميات والمهام المهنية بين البلدان والمؤسسات:
- علم النفس الإجرامي: يركز على الجوانب النفسية للسلوك الإجرامي ودوافعه ومسارات تطوره.
- علم النفس الشرعي أو القضائي: يطبق المعرفة النفسية في القضايا القانونية، مثل تقييم القدرات العقلية أو الاحتياجات النفسية وتقديم الرأي المهني للمحكمة.
- علم الجريمة: يدرس الجريمة بوصفها ظاهرة اجتماعية، ويبحث علاقتها بالبيئة والسياسات وأنظمة العدالة والوقاية.
- الطب النفسي الشرعي: تخصص طبي يتناول الاضطرابات النفسية في السياق القانوني، ويمكن أن يشمل العلاج الدوائي عند الحاجة.
ما العوامل التي قد تسهم في السلوك الإجرامي؟
لا توجد وصفة نفسية واحدة تفسر الجريمة. فقد يتفاعل تاريخ الشخص مع ظروفه الحالية وفرص ارتكاب الفعل والعواقب المتوقعة. وعوامل الخطر تعني زيادة الاحتمال على مستوى مجموعات، وليست حكمًا على مستقبل فرد بعينه؛ فكثير ممن يواجهون ظروفًا صعبة لا يرتكبون جرائم.
عوامل فردية ونمائية
قد ترتبط بعض صور السلوك المؤذي بصعوبة ضبط الاندفاع، وضعف مهارات حل النزاع، وأنماط التفكير التي تبرر الاعتداء، أو بتاريخ سابق من العنف. وقد يؤثر التعرض للإساءة أو الإهمال في النمو النفسي وتنظيم الانفعالات، لكنه لا يجعل الطفل محكومًا بمستقبل إجرامي. وتظل العلاقات الآمنة والدعم المبكر عوامل حماية مهمة.
عوامل اجتماعية وظرفية
قد تسهم مخالطة جماعات تشجع العنف، وسهولة الوصول إلى وسائل الإيذاء، والنزاعات المتصاعدة، وتعاطي المواد في زيادة الخطر في بعض الظروف. كما قد تحد قلة فرص العلاج والدعم من القدرة على تغيير السلوك. ولا يصح ربط الفقر أو الانتماء إلى فئة اجتماعية بالإجرام تلقائيًا، فهذه اختزالات تتجاهل الفروق الفردية وتعقيد الواقع.
هل ترتبط الجريمة بالمرض النفسي؟
معظم المصابين باضطرابات نفسية ليسوا عنيفين، وقد يتعرضون هم أنفسهم للإساءة والاستغلال. ولا يكفي تشخيص الاكتئاب أو الفصام أو أي اضطراب آخر للتنبؤ بجريمة. وعند تقييم خطر العنف، تكون المعلومات عن السلوك السابق، والتهديدات الحالية، والتعاطي، والظروف المحيطة أهم من الاعتماد على اسم التشخيص وحده.
قد تؤثر أعراض حادة لدى بعض الأشخاص في الحكم على الأمور أو إدراك الواقع، خاصة مع غياب العلاج أو وجود تعاطٍ متزامن، لكنها تستلزم تقييمًا فرديًا لا تعميمًا. كذلك لا يمكن تشخيص اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع من خبر صحفي أو تصرف منفرد. أما وصف «السيكوباتية» المتداول إعلاميًا فلا ينبغي استخدامه كشتيمة أو كمرادف لكل جريمة، وتقييم السمات المرتبطة به يحتاج أدوات وخبرة متخصصة.
كيف يجري التقييم النفسي في السياق الجنائي؟
يبدأ التقييم بتحديد السؤال المطلوب الإجابة عنه، مثل الاحتياجات العلاجية أو العوامل المرتبطة بخطر تكرار العنف. ويوضح المختص للشخص غرض المقابلة وحدود السرية والجهة التي قد تتلقى التقرير؛ فالتقييم الموجه للمحكمة يختلف عن جلسة علاج اعتيادية. وتشمل مصادر المعلومات، بحسب الحالة والضوابط القانونية:
- مقابلات تتناول التاريخ النفسي والطبي والاجتماعي والسلوك الحالي.
- مراجعة السجلات المتاحة ومعلومات من مصادر أخرى عند السماح بذلك.
- اختبارات نفسية مقننة يختارها ويفسرها مختص مؤهل.
- تقييم التعاطي والاندفاع والتهديدات وعوامل الحماية والدعم.
لا يوجد تحليل دم أو تصوير دماغ أو اختبار شخصية واحد يثبت أن شخصًا مجرم أو سيصبح كذلك. وأدوات تقدير الخطر تقدم تقديرات احتمالية تساعد على التخطيط، لكنها لا تمنح يقينًا. كما أن الرأي السريري لا يحل محل التحقيق والأدلة، وتبقى الأحكام القانونية من اختصاص الجهات القضائية.
حدود تحليل الشخصية وكشف الكذب
قد يساعد تحليل الأنماط السلوكية في توليد فرضيات للتحقيق، لكنه لا يثبت هوية مرتكب الجريمة ولا يصلح وحده دليلًا للإدانة. ولا يمكن كشف الكذب بثقة من تجنب النظر أو التوتر أو حركة اليدين؛ فقد تنشأ هذه العلامات عن الخوف أو الصدمة أو اختلافات التواصل والثقافة. كذلك فإن اختبارات كشف الكذب تقيس استجابات جسدية وليست الكذب ذاته، وقد تخطئ.
ومن المهم الحذر من اختبارات الإنترنت التي تدعي كشف «الشخصية الإجرامية»، ومن تشخيص أشخاص غائبين اعتمادًا على مقاطع قصيرة. فهذه الممارسات قد تزيد الوصمة وتؤدي إلى اتهامات غير عادلة بدل فهم السلوك بصورة علمية.
العلاج والتأهيل والوقاية من تكرار الأذى
لا يوجد دواء يعالج «الإجرام» بوصفه تشخيصًا. توضع خطة التدخل وفق احتياجات الشخص، وقد تشمل علاج اضطراب نفسي أو مشكلة تعاطٍ، وتدخلات نفسية لتعديل الأفكار التي تبرر الأذى، وتحسين ضبط الانفعال وحل المشكلات. وتُستخدم الأدوية فقط عند وجود داعٍ طبي وتحت إشراف مختص، وليس كبديل عن المتابعة والتأهيل.
وتزداد قيمة التدخل عندما يقترن ببيئة مستقرة ودعم أسري مناسب وفرص تعليم وعمل ومتابعة منتظمة. ولدى الأطفال والمراهقين، يفيد التعامل المبكر مع التنمر والعنف الأسري والمشكلات السلوكية دون وصف الطفل بأنه «مجرم». ولا يلغي التأهيل ضرورة حماية المتضررين ووضع حدود واضحة للسلوك المؤذي والمساءلة وفق القانون.
متى تزور الطبيب؟
اطلب تقييمًا لدى طبيب نفسي أو أخصائي نفسي مؤهل إذا تكررت نوبات العدوان، أو أصبح ضبط الاندفاع صعبًا، أو ترافق التعاطي مع تهديدات، أو ظهرت أفكار مؤذية تسبب ضيقًا أو تعطّل الحياة. والأفكار الاقتحامية غير المرغوبة لا تعني وحدها وجود نية لتنفيذها، لكن التقييم يساعد على فهمها وعلاجها.
أما وجود نية واضحة للإيذاء، أو خطة ووسيلة متاحة، أو تهديد جدي، أو هياج شديد مع فقدان السيطرة، فيستدعي الاتصال بالطوارئ المحلية فورًا. ابتعد إلى مكان آمن، وأبعد الأطفال والمعرضين للخطر، ولا تحاول مواجهة الشخص أو نزع سلاحه بنفسك. وإذا كنت تخشى أن تؤذي أحدًا، فابتعد عن وسائل الإيذاء واطلب مساعدة عاجلة من الطوارئ وشخص موثوق. هذه معلومات توعوية ولا تغني عن تقييم متخصص.
أسئلة شائعة
هل علم النفس الإجرامي تخصص طبي؟
ليس تخصصًا طبيًا بحد ذاته، بل مجال يرتبط بعلم النفس ودراسة السلوك الإجرامي. أما الطب النفسي الشرعي فهو تخصص طبي يتعامل مع الاضطرابات النفسية في السياقات القانونية.
هل يمكن معرفة المجرم من ملامحه أو لغة جسده؟
لا يمكن تحديد السلوك الإجرامي من ملامح الوجه أو حركة الجسم. والتوتر أو تجنب النظر ليس دليلًا موثوقًا على الكذب أو ارتكاب جريمة.
هل كل من يرتكب جريمة يعاني اضطرابًا نفسيًا؟
لا. الجريمة توصيف قانوني لفعل، أما الاضطراب النفسي فيحتاج تقييمًا سريريًا ومعايير محددة. ولا يعني وجود اضطراب نفسي أن الشخص خطر أو عنيف.
هل يمكن التنبؤ بتكرار العنف بدقة؟
يمكن تقدير مستوى الخطر بالاستناد إلى التاريخ والسلوك الحالي والظروف وعوامل الحماية، لكن لا يمكن ضمان التنبؤ. وقد يتغير الخطر مع العلاج والتعاطي والبيئة والدعم.
هل الأفكار العنيفة غير المرغوبة تعني أنني سأؤذي أحدًا؟
لا تعني الأفكار الاقتحامية وحدها وجود رغبة أو نية للإيذاء، وقد تظهر مع القلق أو الوسواس القهري. راجع مختصًا إذا سببت ضيقًا، واطلب مساعدة عاجلة إذا أصبحت مصحوبة بنية أو خطة أو شعور بفقدان السيطرة.



