منصة طبية عربية مهتمة بتقديم المحتوي الطبي الموثوق...

فارماستان

الصرع ودوستويفسكي: حين تتحول معاناة الدماغ إلى أدب

دوستويفسكي: المرض الذي دخل صفحات الروايات

لم يكن الصرع عند فيودور دوستويفسكي مجرد تفصيل في سيرته، بل تجربة رافقته وظهرت في عالمه الروائي. يروي مقال PBS شهادات عن نوبات أصابته في شبابه، بينها نوبة تشنجية شديدة شهدها أصدقاؤه عام 1844. وسجل الكاتب أوصافا لنوبات أخرى، ولاحظ ارتباط حدوثها بقلة النوم وتناول الكحول والإفراط في العمل. واشتدت معاناته أثناء سجنه في سيبيريا، ثم استمر المرض في التأثير في حياته وعمله خلال عقوده الأخيرة.

انتقلت هذه الخبرة إلى شخصيات في أعمال مثل «الأبله» و«الشياطين» و«الإخوة كارامازوف». وبحسب المقال، لم يكتف دوستويفسكي بوصف ارتعاش الجسد أو فقدان الوعي، بل تناول الأحاسيس التي قد تسبق بعض النوبات، والشعور بأن الموقف الحالي قد حدث من قبل، والإرهاق الشديد بعدها. بذلك قدم وصفا يتجاوز ما يراه المحيطون بالمصاب إلى ما قد يشعر به هو نفسه.

ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل قراءة سيرته إلى تشخيص يقيني بأثر رجعي. فقد قدم فرويد تفسيرا نفسيا لنوباته، بينما رفض أطباء أعصاب لاحقون هذا التفسير ورجحوا صرعا مجهول السبب يحتمل أن يكون منشؤه الفص الصدغي. هذه قراءات تاريخية مختلفة، لا فحص طبي مباشر. والأهم أن تجربة الكاتب تفتح بابا لفهم مرض كثيرا ما أحاطت به الصور النمطية.

ما الصرع، وهل تعني النوبة الواحدة الإصابة به؟

الصرع مرض مزمن غير معد يصيب الدماغ، ويمكن أن يظهر في أي عمر. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 50 مليون شخص حول العالم يعيشون معه. تنشأ النوبات عن تفريغات كهربائية مفرطة في مجموعة من خلايا الدماغ، وتختلف صورتها بحسب المكان الذي يبدأ فيه الاضطراب ومدى انتشاره. لذلك لا توجد هيئة واحدة للنوبة تنطبق على جميع المصابين.

حدوث نوبة واحدة لا يعني تلقائيا الإصابة بالصرع. تعرض منظمة الصحة العالمية تعريفا مبسطا يقوم على حدوث نوبتين أو أكثر دون سبب مباشر محفز، بينما توضح هيئة الخدمات الصحية البريطانية أن التشخيص قد يتم أيضا بعد نوبة واحدة إذا أظهرت الفحوص خطر حدوث نوبات أخرى. هذه تفاصيل يقدرها الطبيب المختص، وليست قاعدة للتشخيص الذاتي. ويسأل الطبيب عما حدث قبل النوبة وأثناءها وبعدها، وقد يستعين بتخطيط كهربائية الدماغ والتصوير وفحوص أخرى؛ لذا قد تفيد مرافقة شخص شاهد الواقعة.

النوبات ليست دائما سقوطا وتشنجات

الصورة الشائعة للصرع هي شخص يسقط ويفقد وعيه ويهتز جسده، لكنها لا تمثل جميع النوبات. فقد يبدو الشخص مرتبكا، أو يحدق في الفراغ، أو يعجز مؤقتا عن الإجابة، أو يتحرك دون وعي بما يفعل. وقد يشعر بروائح غريبة، أو تنميل ووخز، أو تغيرات في الرؤية، أو خوف مفاجئ. بعض الأشخاص يتذكرون النوبة، بينما لا يتذكرها آخرون.

تشمل الأنواع النوبات التوترية الرمعية، التي قد تجمع فقدان الوعي وتيبس العضلات والاهتزاز، ونوبات الغياب التي ينقطع فيها إدراك المحيط لفترة وجيزة. وهناك نوبات تسبب تيبسا مفاجئا أو ارتخاء في العضلات، وأخرى تظهر في صورة نفضات عضلية قصيرة، ونوبات بؤرية تتضمن أحاسيس أو حركات غير معتادة. غالبا ما تستمر النوبة ثواني أو دقائق، وقد يكون لدى الشخص أكثر من نوع؛ وتحديد النوع يحتاج إلى تقييم مختص.

لماذا يحدث الصرع، وما الذي يستطيع العلاج تقديمه؟

للصرع أسباب متعددة تؤثر في الدماغ، لكن السبب لا يكون معروفا دائما. تذكر مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها السكتة الدماغية، وأورام الدماغ، وإصابات الرأس الرضحية، ونقص الأكسجين الواصل إلى الدماغ، وبعض الحالات الوراثية والأمراض العصبية. وقد يرتبط أيضا بعدوى مثل داء الكيسات المذنبة. ولا ينبغي الخلط بين سبب المرض وبين ظروف قد تحفز النوبة لدى شخص مصاب؛ فما لاحظه دوستويفسكي عن قلة النوم والإجهاد يصف تجربته، ولا يحدد سبب الصرع لدى الجميع.

العلاج الأساسي هو الأدوية المضادة للنوبات، ويختارها الطبيب بحسب نوع النوبات وعمر الشخص وحالته الصحية وعوامل أخرى. وقد يحتاج الوصول إلى العلاج المناسب إلى تجربة أدوية مختلفة تحت الإشراف الطبي. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن ما يصل إلى 70% من المصابين يمكن أن يعيشوا دون نوبات إذا شُخصوا وعولجوا بصورة مناسبة. السيطرة على النوبات لا تعني بالضرورة الشفاء، لكنها تتيح لكثيرين حياة كاملة، ويظل تعديل العلاج أو إيقافه قرارا يناقش مع المختص.

كيف تساعد شخصا أثناء النوبة بأمان؟

ابدأ بالهدوء، وابق مع الشخص، وأبعد الأشياء التي قد تصيبه، وسجل وقت بداية النوبة. إذا بدا أنه سيسقط، ساعده برفق على الوصول إلى الأرض. ضع شيئا لينا ومسطحا تحت رأسه، وانزع نظارته، وأرخ ما يضيق حول رقبته. وإذا كان مستلقيا، أدره بلطف على جانبه بحيث يتجه فمه نحو الأرض للمساعدة على إبقاء مجرى التنفس مفتوحا. ويمكن تفقد سوار طبي قد يحتوي معلومات مهمة عن حالته.

لا تثبت جسده بالقوة ولا تحاول إيقاف حركاته، ولا تضع أي شيء في فمه؛ فقد تؤذي أسنانه أو فكه. لا تقدم طعاما أو ماء حتى يستعيد يقظته تماما، ولا تعط تنفسا من الفم إلى الفم أثناء النوبة. وبعد انتهائها، ساعده على الجلوس في مكان آمن للتعافي، وطمئنه واشرح له ما حدث عندما يصبح منتبها، واعرض الاتصال بشخص يثق به ليساعده على العودة بأمان.

متى تطلب الإسعاف، ولماذا يهم الدعم؟

اطلب الإسعاف إذا استمرت النوبة أكثر من خمس دقائق، أو تلتها نوبة أخرى بفاصل قصير، أو ظهرت صعوبة في التنفس أو الاستيقاظ بعدها. ويجب طلب المساعدة أيضا إذا حدثت إصابة، أو وقعت النوبة في الماء، أو كانت الأولى في حياة الشخص، أو كان المصاب حاملا، أو لديه سكري وفقد الوعي. وتوضح الإرشادات البريطانية أن استمرار النوبة أطول من المعتاد لهذا الشخص، أو عدم تعافيه كالمعتاد، يستدعيان المساعدة كذلك.

لا يحتاج كل مصاب معروف بالصرع إلى الذهاب للمستشفى بعد كل نوبة؛ فقد تكون لديه خطة رعاية تحدد التصرف المطلوب. اتبعها إذا كنت تعرفها وتلقيت التدريب اللازم، وراجع الطبيب عند ظهور نوبة مشتبهة لم تقيم طبيا. وإلى جانب العلاج والإسعاف، يحتاج المصاب إلى تفهم يحميه من الوصمة والتمييز اللذين تشير إليهما منظمة الصحة العالمية. ومن سيرة دوستويفسكي يمكن أن نبدأ بفهم بسيط: الإنسان أوسع من مرضه، والنوبة ليست كل حكايته.

أسئلة شائعة

هل يمكن السيطرة على نوبات الصرع؟

نعم. تقدر منظمة الصحة العالمية أن ما يصل إلى 70% من المصابين يمكن أن يعيشوا دون نوبات مع التشخيص والعلاج المناسبين. ويحدد الطبيب العلاج بحسب نوع النوبات والحالة الصحية.

هل يبقى الشخص واعيا أثناء النوبة؟

قد يبقى واعيا ويتذكر ما حدث، وقد يفقد الوعي أو إدراك المحيط ولا يتذكر النوبة. يختلف ذلك بحسب نوعها.

هل أضع شيئا في فم المصاب أثناء التشنجات؟

لا. وضع أي شيء في الفم قد يؤذي الأسنان أو الفك. احم الشخص من الأشياء المحيطة، ولا تقيد حركته، وأدره بلطف على جانبه إذا كان مستلقيا.

كيف ظهر الصرع في أدب دوستويفسكي؟

ظهر لدى شخصيات في أعمال منها «الأبله» و«الإخوة كارامازوف». ووصف الكاتب أحاسيس تسبق بعض النوبات، والشعور بألفة موقف لم يحدث من قبل، والتعب بعدها، إلى جانب المظاهر الجسدية.

كتب بواسطة: ايمان ابو ريا

تقديم: د. علي عمار

تاريخ النشر: ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · تاريخ التحديث: ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦