الحمى عند الأطفال: متى تقلق؟

الحمى عند الأطفال: متى تقلق؟

تُعدُّ الحمى من الأعراض الشائعة التي تُصيب الرضع والأطفال، وغالبًا ما تكون مؤشرًا على استجابة الجسم الطبيعية للعدوى. ورغم أنَّ درجة حرارة الجسم الطبيعية تتفاوت بين الأفراد وخلال اليوم، يُعرِّف معظم الأطباء الحمى بأنها درجة حرارة 38 درجة مئوية (100.4 فهرنهايت) أو أعلى عند قياسها من المستقيم. من المهم فهم متى تكون الحمى مجرد عارض بسيط يمكن التعامل معه في المنزل، ومتى تُشير إلى حالة طبية خطيرة تستدعي التدخل الطبي العاجل، خاصةً عند الأطفال الصغار.

ما هي الحمى عند الأطفال؟ وكيف تقاس؟

تختلف درجة حرارة الجسم الطبيعية من طفل لآخر وتتغير على مدار اليوم، حيث تكون أعلى عادةً في فترة ما بعد الظهر. كما تكون درجة حرارة الجسم أعلى قليلاً عند الأطفال في سن ما قبل المدرسة والرضع بين 18 و24 شهرًا.

- يُعرِّف معظم الأطباء الحمى بأنها درجة حرارة 38 درجة مئوية (100.4 فهرنهايت) أو أعلى عند قياسها بميزان الحرارة المستقيمي، وهو الطريقة الأكثر دقة لقياس درجة الحرارة عند الرضع والأطفال الصغار.

أسباب الحمى الشائعة لدى الرضع والأطفال

تحدث الحمى كرد فعل على العدوى أو الإصابة أو الالتهاب، وتتعدد أسبابها. تعتمد الأسباب المحتملة للحمى على مدتها، سواء كانت حادة (14 يومًا أو أقل) أو مزمنة (أكثر من 14 يومًا)، وكذلك على عمر الطفل.

الحمى الحادة (أقل من 14 يومًا)

- غالبًا ما تنجم الحمى الحادة عند الرضع والأطفال عن العدوى. الأسباب الأكثر شيوعًا هي:

  • عدوى الجهاز التنفسي الفيروسية، مثل نزلات البرد أو الإنفلونزا.
  • التهاب المعدة والأمعاء الفيروسي (عدوى الجهاز الهضمي).
  • بعض أنواع العدوى البكتيرية، خاصةً التهابات الأذن الوسطى، والتهابات الجيوب الأنفية، والالتهاب الرئوي، وعدوى المسالك البولية.

- يكون الأطفال حديثو الولادة والرضع الصغار أكثر عرضة للإصابة بعدوى خطيرة بسبب عدم اكتمال نمو جهازهم المناعي. قد تُكتسب هذه العدوى قبل الولادة أو أثناءها، وتشمل إنتان الدم (عدوى خطيرة في الدم)، والالتهاب الرئوي، والتهاب السحايا (عدوى الأنسجة التي تُغلف الدماغ).

- في بعض الأحيان، قد يُصاب الأطفال دون سن 3 سنوات الذين يعانون من الحمى (خاصة إذا كانت 39 درجة مئوية أو أعلى) ببكتيريا في مجرى الدم تُعرف بتجرثم الدم الخفي، وقد لا تظهر عليهم أعراض أخرى إلى جانب الحمى. وقد ساهمت اللقاحات الروتينية ضد البكتيريا المسببة لهذه الحالة في الحد منها بشكل كبير.

- تشمل الأسباب الأقل شيوعًا للحمى الحادة:

  • الآثار الجانبية للقاحات وبعض الأدوية.
  • العدوى البكتيرية في الجلد (التهاب الهلل) أو المفاصل (التهاب المفاصل الإنتاني).
  • العدوى الفيروسية أو البكتيرية في الدماغ (التهاب الدماغ) أو الأنسجة المحيطة به (التهاب السحايا).
  • اضطرابات التهابية متعددة الأجهزة مثل داء كاواساكي أو المتلازمة الالتهابية متعددة الأجهزة عند الأطفال (MIS-C).
  • ضربة الشمس، التي تُسبب ارتفاعًا شديدًا في درجة حرارة الجسم.

- تستمر الحمى الناتجة عن اللقاح عادةً من بضع ساعات إلى يوم واحد بعد التطعيم، إلا أن بعض اللقاحات قد تُسبب الحمى لمدة 1-2 أسبوع (مثل لقاح الحصبة). لا يُسبب التسنين ارتفاعًا في درجة الحرارة يتجاوز 38.3 درجة مئوية.

الحمى المزمنة (أكثر من 14 يومًا)

- الأسباب الأكثر شيوعًا للحمى المزمنة هي:

  • الإصابة بمرض فيروسي طويل الأمد.
  • الإصابة بأمراض فيروسية متتالية، خاصةً عند الأطفال الصغار.

- قد تنجم الحمى المزمنة أيضًا عن العديد من الاضطرابات المعدية وغير المعدية الأخرى. تشمل الأسباب المعدية:

  • التهاب الكبد.
  • التهاب الجيوب الأنفية.
  • الالتهاب الرئوي.
  • خراجات البطن.
  • عدوى الجهاز الهضمي البكتيرية أو الطفيلية.
  • عدوى العظام (مثل التهاب العظم والنقي).
  • عدوى القلب (مثل التهاب الشغاف).
  • داء السل.
  • الملاريا وداء لايم وداء خدش القطة (حسب الموقع الجغرافي).

- أما الأسباب غير المعدية للحمى المزمنة فتشمل:

  • داء الأمعاء الالتهابي.
  • التهابات المفاصل اليفعية مجهولة السبب أو غيرها من الاضطرابات الروماتيزمية الجهازية.
  • السرطان (مثل ابيضاض الدم وسرطان العقد اللمفية).
  • متلازمات الحمى الدورية.

- في بعض الأحيان، قد لا يتم تحديد سبب الحمى حتى بعد إجراء فحوصات شاملة، وتُعرف هذه الحالة بالحمى مجهولة المنشأ.

علامات الخطر التي تستدعي القلق

تُعد بعض الأعراض المصاحبة للحمى علامات تحذيرية تستدعي اهتمامًا فوريًا. وتشمل هذه العلامات:

  • حدوث حمى عند الرضع الذين تقل أعمارهم عن 3 أشهر.
  • الخمول أو الفتور الشديد، أو مظهر الطفل العام السيئ.
  • صعوبة في التنفس.
  • حدوث نزف في الجلد، والذي يظهر على شكل نقاط صغيرة أرجوانية محمرة (نمشات) أو بقع (فرفرية).
  • البكاء المستمر الذي لا يمكن تهدئته عند الرضيع أو الطفل الدارج.
  • الصداع وتيبس الرقبة والتخليط الذهني أو أي توليفة منها عند الأطفال الأكبر سنًا.

متى يجب زيارة الطبيب؟

يجب أن يحصل الأطفال الذين يعانون من الحمى على تقييم طبي فوري في الحالات التالية:

  • عند وجود أي من العلامات التحذيرية المذكورة أعلاه.
  • إذا كان عمر الطفل أقل من 3 أشهر.

- أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 أشهر و3 سنوات ولا تظهر عليهم علامات تحذيرية، فيجب أن يخضعوا لفحص طبي إذا:

  • كانت درجة الحرارة 39 درجة مئوية أو أعلى.
  • لم تكن هناك أعراض واضحة لعدوى الجهاز التنفسي العلوي (مثل العطاس أو سيلان الأنف أو احتقان الأنف).
  • استمرت الحمى لأكثر من يوم أو يومين.

- بالنسبة للأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 3 سنوات وليس لديهم علامات تحذيرية، تعتمد الحاجة إلى تقييم الطبيب وتوقيته على أعراض الطفل. فإذا كان الطفل يعاني من أعراض في الجهاز التنفسي العلوي ولكنه يبدو بصحة جيدة، فقد لا يحتاج إلى المزيد من التقييم. ومع ذلك، يجب على الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 3 سنوات ويعانون من استمرار الحمى لأكثر من 5 أيام مراجعة الطبيب حتى لو بدوا بصحة جيدة.

كيف يقوم الطبيب بتقييم الحمى؟

عند زيارة الطبيب، يبدأ بتقييم شامل يتضمن الاستفسار عن أعراض الطفل وتاريخه الطبي، ثم يقوم بإجراء الفحص السريري. يساعد وصف الأعراض والفحص الشامل الأطباء عادةً في تحديد سبب الحمى.

- يقوم الأطباء بقياس درجة حرارة الطفل، وغالبًا ما تُقاس عن طريق المستقيم عند الرضع والأطفال الصغار لضمان الدقة. كما تتم مراقبة معدل التنفس وقياس ضغط الدم عند الأطفال الذين يبدون مرضى.

- في حالات السعال أو صعوبة التنفس، يُستخدم مجس على الإصبع أو شحمة الأذن لقياس تركيز الأكسجين في الدم (قياس التأكسج النبضي).

- يركز الأطباء أثناء الفحص على البحث عن علامات تحذيرية مثل المظهر غير الجيد، والخمول، والتململ، والانزعاج، مع الانتباه بشكل خاص إلى استجابة الطفل للفحص.

- قد تُسبب الحمى نفسها ظهور بعض العلامات التحذيرية مثل الخمول والفتور والتنفس السريع. في هذه الحالات، قد يُعطي الأطباء أدوية خافضة للحرارة (مثل الإيبوبروفين) ثم يُعاد تقييم الطفل بعد انخفاض الحمى. من المطمئن أن يعود الأطفال الخمولون إلى نشاطهم بمجرد انخفاض الحمى، بينما يُعد استمرار المظهر السيئ للطفل رغم انخفاض الحرارة مدعاة للقلق.

الفحوصات الطبية لتشخيص الحمى

تعتمد الحاجة إلى إجراء الفحوصات على عمر الطفل ومظهره العام وحالة التطعيم وما إذا كانت الحمى حادة أو مزمنة. قد يجري الأطباء اختبارات لاضطرابات معينة يشتبهون فيها.

فحوصات الحمى الحادة حسب العمر

- بالنسبة للحمى الحادة، يجري الأطباء اختبارات للتحري عن الأسباب المعدية وفقًا لعمر الطفل، خاصةً لاستبعاد العدوى البكتيرية الخطيرة مثل التهاب السحايا أو الإنتان أو عدوى المسالك البولية.

  • الرضع دون الشهر الأول

    - يُدخل الأطفال في هذه الفئة العمرية إلى المستشفى للاختبار والعلاج بسبب ارتفاع احتمال إصابتهم بعدوى خطيرة. تشمل الاختبارات عادةً فحوصات الدم والبول والبزل النخاعي (البزل القطني)، وصورة بالأشعة السينية للصدر أحيانًا. وتُجرى اختبارات البراز لدى من يعانون من الإسهال.

  • الرضع بين شهر و3 أشهر

    - ينبغي إدخال الأطفال إلى المستشفى إذا كانوا يبدون مرضى (مثل البكاء غير الطبيعي، الخمول، أو سلوك غير طبيعي) أو لديهم عوامل خطر لعدوى بكتيرية خطيرة (مثل العيوب الخلقية الشديدة، الخداج، أو عدم التطعيم). يخضع هؤلاء الأطفال لفحوصات الدم والبول وتصوير الصدر بالأشعة السينية والبزل الشوكي. أما الأطفال الذين يبدون بحالة جيدة، فيخضعون لفحوصات الدم والبول، وقد لا يخضعون للبزل الشوكي، وقد لا يتم إدخالهم إلى المستشفى في بعض الأحيان.

  • الأطفال بين 3 أشهر و3 سنوات

    - قد لا يحتاج الأطفال المصابون بالحمى في هذه الفئة العمرية والذين يبدون بحالة جيدة ويمكن مراقبتهم عن كثب، إلى إجراء اختبارات، خاصة إذا تم تحديد مصدر الحمى. إذا كانت الأعراض تُشير إلى عدوى معينة، تُجرى الاختبارات المناسبة. أما إذا لم يكن لدى الأطفال أي أعراض تشير إلى اضطراب معين ولكنهم يبدون مرضى، أو لديهم عوامل خطر لعدوى بكتيرية خطيرة، أو أن درجة حرارتهم تبلغ 39 درجة مئوية أو أكثر، فمن المعتاد إجراء فحوصات الدم والبول، وقد يُجرى البزل النخاعي في بعض الأحيان. تعتمد الحاجة إلى العلاج في المستشفى على حالة الأطفال ونتائج الاختبارات.

  • الأطفال فوق 3 سنوات

    - لا يخضع الأطفال في هذه الفئة العمرية للاختبارات عادةً ما لم تكن لديهم أعراض محددة تُشير إلى اضطراب خطير أو إذا لم يتم العثور على مصدر للحمى.

فحوصات الحمى المزمنة

- تُجرى الاختبارات عند وجود حمى مزمنة غالبًا. إذا اشتبه الأطباء في إصابة باضطراب معين، يُجرون اختبارات لهذا الاضطراب. أما إذا كان السبب غير واضح، فتُجرى اختبارات مسح تشمل تعداد خلايا الدم الكامل، وتحليل وزرع البول، واختبارات دموية للتحري عن الالتهاب مثل قياس سرعة تثفل الكريات الحمر (ESR) ومستويات البروتين التفاعلي C (CRP).

- تشمل الاختبارات الأخرى التي قد تُجرى عند عدم وجود سبب واضح: اختبارات البراز، وزرع الدم أو اختبارات مستويات الأجسام المضادة في الدم للكشف عن البكتيريا أو الفيروسات، واختبار السل الجلدي، أو تصوير الصدر بالأشعة السينية، والتصوير المقطعي المحوسب (CT) للجيوب، وتصوير العظام.

- في حالات نادرة، قد تستمر الحمى ويعجز الأطباء عن تحديد السبب حتى بعد إجراء اختبارات شاملة، وتُسمى هذه الحالة بالحمى مجهولة المنشأ، وقد تتطلب تقييمًا إضافيًا.

علاج الحمى عند الرضع والأطفال

إذا كانت الحمى ناتجة عن اضطراب معين، فيتم علاج هذا الاضطراب أولاً. تركز المعالجات الأخرى للحمى على جعل الأطفال يشعرون بتحسن وتخفيف الانزعاج.

تدابير منزلية لتخفيف الحمى

- هناك طرق لمساعدة الأطفال المصابين بالحمى على الشعور بالتحسن دون استخدام الأدوية:

  • إعطاء الأطفال الكثير من السوائل لتفادي حدوث الجفاف.
  • تطبيق الكمادات الباردة والرطبة على الجبين والمعصمين والربلتين.
  • وضع الأطفال في حمام دافئ (أبرد قليلاً من درجة حرارة الطفل).

- يجب تجنب الطرق التي قد تُسبب الارتعاش، مثل تجريد الطفل من ملابسه أو الحمامات الباردة، لأن الارتعاش قد يزيد درجة حرارة الطفل فعليًا.

- ينبغي عدم تدليك الطفل بالكحول أو بماء الهاماميليس، حيث يمكن أن يمتص الكحول عبر الجلد ويُسبب الضرر. كما توجد العديد من العلاجات الشعبية الأخرى غير المساعدة وغير المفيدة، والتي تتراوح بين غير الضارة (مثل وضع البصل أو البطاطا في جوارب الطفل) إلى المزعجة والتي يحتمل أن تكون ضارة (مثل الكشط بالقطع النقدية أو الحجامة).

الأدوية الخافضة للحرارة

- ليس من الضروري دائمًا علاج الحمى عند الأطفال الأصحاء. ومع ذلك، قد يؤدي استخدام الأدوية الخافضة للحرارة إلى جعل الأطفال يشعرون بالتحسن من خلال خفض درجة الحرارة، لكن هذه الأدوية ليس لها أي تأثير على العدوى أو الاضطراب المسبب للحمى.

- يُوصي الطبيب باستخدام هذه الأدوية إذا كان الأطفال يعانون من اضطرابات مزمنة معينة أو لديهم تاريخ من الاختلاجات المثارة بالحمى، لتقليل الإجهاد الإضافي على الجسم بسبب الحمى.

- يُستخدم عادةً الأدوية التالية:

  • الأسيتامينوفين (باراسيتامول)، ويُعطى عن طريق الفم أو من خلال تحميلة.
  • الإيبوبروفين، ويُعطى عن طريق الفم.

- غالبًا ما يكون الأسيتامينوفين هو العلاج المفضل. قد يؤدي استخدام الإيبوبروفين لفترة طويلة إلى تهيج بطانة المعدة. يمكن الحصول على هذه الأدوية دون وصفة طبية، ومن الضروري استخدام الجرعة الموصى بها وبالفواصل الزمنية الصحيحة لتجنب الجرعة الزائدة.

- في حالات نادرة، يُستخدم الأسيتامينوفين أو الإيبوبروفين للوقاية من الحمى، كما هو الحال بعد تطعيم الرضع.

- يُمنع استخدام الأسبرين لخفض الحمى عند الأطفال لأنه يمكن أن يتداخل مع بعض حالات العدوى الفيروسية (مثل الإنفلونزا أو الجدري) ويُسبب اضطرابًا خطيرًا يُسمى متلازمة راي.

المحتوى الرائج

إسعافات أولية أخرى

المزيد