
الشرى (الارتكاريا): الأعراض والأسباب ومتى تقلق؟
الشرى، المعروف أيضًا بالارتكاريا أو "خلايا النحل"، هو حالة جلدية شائعة تتميز بظهور تورّمات حمراء مرتفعة ومثيرة للحكة على الجلد. - تنجم هذه التورّمات عن تحرير مواد كيميائية مثل الهستامين من خلايا معينة في الجلد، مما يؤدي إلى تسرّب السائل مؤقتًا من الأوعية الدموية الصغيرة. - قد تكون الحكة شديدة ومزعجة للغاية، وتظهر بقع الشرى وتختفي عادةً في غضون ساعات قليلة، لتظهر في مكان آخر دون أن تترك أي أثر. - على الرغم من أنها غالبًا ما تكون غير خطيرة، إلا أن الشرى قد يكون أحيانًا جزءًا من رد فعل تحسسي شديد يتطلب تدخلًا طبيًا عاجلاً، خاصة إذا تزامن مع تورم في الوجه أو صعوبة في التنفس.
ما هو الشرى (الارتكاريا)؟
الشرى هو طفح جلدي يتميز بظهور بقع أو كتل حمراء مرتفعة قليلاً على سطح الجلد، وتكون هذه البقع مصحوبة بحكة شديدة. - تتميز حواف بقع الشرى بأنها واضحة المعالم، وقد تكون شاحبة في المنتصف. - ينشأ هذا التورم نتيجة لتحرير مواد كيميائية، أبرزها الهستامين، من الخلايا البدينة (mast cells) الموجودة في الجلد. - يؤدي تحرير هذه المواد إلى تسرّب السائل من الأوعية الدموية الصغيرة بشكل مؤقت، مما يسبب التورم والحكة. - من السمات المميزة للشرى أنه يظهر في تجمعات ثم يزول عادةً، وقد يبقى الشرى لعدة ساعات ثم يختفي تمامًا، ليظهر بعد ذلك في أي مكان آخر على الجسم. - بعد اختفاء بقع الشرى، يعود الجلد إلى طبيعته تمامًا دون أن يترك أي علامات أو ندوب.
الشرى والوذمة الوعائية: متى يكون التورم أخطر؟
قد يظهر الشرى أحيانًا مصحوبًا بحالة أخرى تُعرف بالوذمة الوعائية (angioedema). - تنطوي الوذمة الوعائية أيضًا على حدوث تورم، لكن الفرق الرئيسي بينها وبين الشرى هو أن تورم الوذمة الوعائية يحدث تحت الجلد وليس على سطحه. - يمكن أن تُصيب الوذمة الوعائية مناطق حساسة مثل الوجه والشفتين والحلق واللسان والمسالك الهوائية. - في حال أصابت الوذمة الوعائية الحلق أو المسالك الهوائية، فإنها يمكن أن تُشكِّل تهديدًا حقيقيًا للحياة، حيث تتداخل مع القدرة على التنفس وتسبب صعوبة بالغة. - لذلك، فإن ظهور الشرى المصحوب بتورم في هذه المناطق يستدعي طلب المساعدة الطبية الطارئة فورًا.
أسباب الشرى: لماذا تظهر هذه البقع؟
يمكن أن يكون الشرى والوذمة الوعائية ردود فعل تحسسية أو غير تحسسية، وفي كثير من الأحيان لا يمكن تحديد السبب بدقة. - يمكن أن يحدث الشرى عندما يتعرض الجسم لمواد معينة عن طريق الاستنشاق، أو التناول، أو الحقن، أو ملامسة الجلد. - قد تكون هذه المواد موجودة في البيئة، أو الطعام، أو الأدوية، أو الحشرات، أو النباتات، أو مصادر أخرى. - في معظم الأحيان، لا تسبب هذه المواد ضررًا لمعظم الأشخاص، ولكن إذا كان الشخص يعاني من حساسية تجاهها، فإنها تُعرف بمسببات الحساسية (المؤرجات) وتؤدي إلى رد فعل مفرط من الجهاز المناعي. - ومع ذلك، في معظم الحالات، لا يكون الشرى جزءًا من رد فعل تحسسي، ولا يمكن تحديد العامل المسبب للحساسية. - على سبيل المثال، قد ينجم الشرى عن اضطرابات المناعة الذاتية، حيث يهاجم الجهاز المناعي أنسجة الجسم عن طريق الخطأ. - كما أن بعض الأدوية يمكن أن تسبب الشرى مباشرة دون تحريض رد فعل تحسسي. - بعض المحفزات الفيزيائية مثل الحرارة، البرودة، الضغط، الاحتكاك، أو ضوء الشمس يمكن أن تسبب الشرى لأسباب غير مفهومة تمامًا. - يستمر الشرى عادةً أقل من 6 أسابيع ويُصنف على أنه حاد، وإذا استمر لأكثر من 6 أسابيع، يُصنف على أنه مزمن.
الشرى الحاد
إذا كان من الممكن تحديد سبب، فإن الشرى الحاد هو الأكثر شيوعًا نتيجة لـ:
- - التفاعلات التحسسية: مثل الأطعمة (البيض، السمك، المحار، المكسرات، الفاكهة)، الإضافات الغذائية، الأدوية (خاصة المضادات الحيوية)، لدغات ولسعات الحشرات. قد يؤدي تناول كمية صغيرة من بعض الأطعمة إلى ظهور الشرى فجأة، بينما تتطلب أطعمة أخرى كمية أكبر.
- - التفاعلات غير التحسسية: مثل بعض أنواع العدوى (بكتيرية، فيروسية، طفيلية)، بعض الأدوية، والمحفزات الفيزيائية (الضغط، البرد).
- - ردود الفعل التحسسية قد تحدث أيضًا عند ملامسة مادة للجلد مباشرة (مثل اللاتكس)، أو بعد التعرض لعضة أو لسعة حشرة، أو كرد فعل لمادة تُستنشق.
في أكثر من نصف الحالات، لا يمكن التعرف على سبب محدد للشرى الحاد.
الشرى المزمن
الأسباب المحتملة للشرى المزمن هي نفسها تلك الخاصة بالشرى الحاد، ولكن في الغالبية العظمى من الحالات، لا يمكن تحديد السبب. - يُعتقد أن معظم حالات الشرى المزمن التي ليس لها سبب محدد تنجم عن تفاعل مناعي ذاتي لا يمكن الكشف عن سببه بحد ذاته. - ومع ذلك، ينبغي بذل كل الجهود لتحديد السبب، لأن التخلص منه هو أفضل نهج للعلاج. - قد يُغفل السبب أحيانًا بسهولة، كما يحدث عند تناول أطعمة تحتوي على مواد حافظة أو صبغات، أو عند وجود مضاد حيوي في الحليب من حيوان عولج به. - قد يستمر الشرى المزمن لأشهر أو سنوات، ثم يزول لسبب غير واضح في بعض الأحيان.
علامات الخطر: متى يجب القلق؟
تتسبب بعض الأعراض والملامح في إثارة القلق وتستدعي الانتباه الطبي الفوري. وتشمل هذه العلامات التحذيرية ما يلي:
- - تورم الوجه، أو الشفتين، أو الحلق، أو اللسان، أو المسالك الهوائية (الوذمة الوعائية).
- - صعوبة في التنفس، بما في ذلك الأزيز التنفُّسي (wheezing).
- - ظهور شرى بلون داكن، يتحول إلى قرحات مفتوحة، أو يستمر لأكثر من 48 ساعة.
- - حمى مصحوبة بتورم العقد اللمفية، أو يرقان (اصفرار لون الجلد والعينين)، أو نقص في الوزن، أو أعراض أخرى تشير إلى اضطراب جهازي عام في الجسم.
متى تطلب المساعدة الطبية؟
معرفة متى يجب طلب المساعدة الطبية أمر بالغ الأهمية عند ظهور الشرى.
اطلب الإسعاف فورًا إذا كنت تعاني من:
- - صعوبة في التنفس أو أزيز تنفسي.
- - شعور بأن الحلق لديك مغلق أو ضيق.
توجه إلى قسم الطوارئ أو عيادة الطبيب في أقرب وقت ممكن إذا:
- - كانت الأعراض شديدة.
- - تشعر بضعف أو دوخة متزايدة.
- - تعاني من حمى أو قشعريرة شديدة.
- - تتقيأ أو لديك ألم في البطن أو إسهال.
استشر الطبيب إذا:
- - أدت لدغة حشرة إلى تحريض الشرى أو التورم (لأخذ نصيحة حول المعالجة في حال التعرض للدغة مرة أخرى).
- - توجد أعراض أخرى مثل الحمى، أو آلام في المفاصل، أو نقص في الوزن، أو تورم العقد اللمفية، أو تعرق ليلي.
- - عاد الشرى للظهور دون التعرض لمحفز واضح.
- - استمرت الأعراض لأكثر من يومين.
إذا ظهر الشرى عند الأطفال بشكل مفاجئ واختفى بسرعة دون أن يحدث مرة أخرى، فليس من الضروري أن يخضعوا لفحص الطبيب غالبًا، حيث يكون السبب عادةً عدوى فيروسية بسيطة.
تشخيص الشرى: ما يتوقعه المريض
عند زيارة الطبيب، سيبدأ بتقييم شامل للمساعدة في تحديد سبب الشرى ووضع خطة العلاج المناسبة.
كيف يقيم الطبيب الحالة؟
- - يستفسر الأطباء في البداية عن الأعراض والتاريخ الطبي بالتفصيل، بما في ذلك وصف كل نوبة شرى وأي أعراض أخرى (مثل الحكة، صعوبة التنفس، تورم الوجه واللسان).
- - يسألون عن الأنشطة التي قمت بها قبل وأثناء النوبة، وعن التعرض المحتمل لمواد يمكن أن تسبب ردود فعل تحسسية، بما في ذلك الأدوية أو العقاقير المستخدمة.
- - يسألون عن أعراض محددة قد تشير إلى السبب، وحالات العدوى السابقة، وردود الفعل التحسسية في الماضي، وما إذا كنت قد سافرت مؤخرًا.
- - لا يكون السبب المحرض واضحًا دائمًا في التاريخ الطبي، حيث قد يكون المحرض شيئًا تم تحمله في السابق.
- - أثناء الفحص السريري، يتحرى الأطباء أولاً عن وجود تورم في الشفتين، أو اللسان، أو الحلق، أو المسالك الهوائية، ويبدأون بالمعالجة مباشرة عند وجود تورم.
- - يعاينون شكل الشرى ويحددون أجزاء الجسم المصابة، ويتحرون عن أعراض أخرى قد تساعد على تأكيد التشخيص.
- - قد يستخدم الأطباء محفزات فيزيائية مختلفة لمعرفة ما إذا كانوا يستطيعون تحريض الشرى، مثل تطبيق ضغط خفيف، أو حرارة، أو برودة على الجلد، أو النقر عليه.
تنبيه هام: ينبغي على المرضى عدم محاولة تحريض الشرى بأنفسهم، وذلك لأنه يمكن أن تحدث استجابة شديدة وخطيرة.
الاختبارات اللازمة
ليس من الضروري إجراء اختبارات عادةً عند حدوث نوبة منفردة من الشرى، إلا إذا كانت الأعراض تشير إلى اضطراب محدد يحتاج إلى المعالجة (مثل حالة عدوى). - ولكن، عند وجود ملامح غير طبيعية للشرى، أو إذا كان يتكرر أو يستمر، فإن الأطباء يقومون بإجراء اختبارات عادةً. - تنطوي الاختبارات عادةً على التعداد الكامل لخلايا الدم، واختبارات دموية لقياس مستويات الشوارد، والسكر (الجلوكوز)، والهرمون المحرض للدرقية، ولتحديد مدى كفاءة عمل الكلى والكبد. - يقوم اختصاصي الحساسية (طبيب متخصص في الاضطرابات التحسسية) بإجراء اختبارات جلدية، مثل اختبار وخز الجلد، للكشف عن مواد معينة مسببة للحساسية. - يجري الأطباء فحوصات التصوير وغيرها من الاختبارات الدموية وفقًا لنتائج التاريخ الطبي والفحص السريري، فإذا أشارت النتائج إلى أن السبب يعود إلى اضطراب جهازي في الجسم، فإن الحالة تستدعي إجراء تقييم شامل لمعرفة هذا السبب. - كما يقوم الأطباء بفحص خزعة جلدية إذا كان التشخيص غير واضح، أو إذا استمرت خلايا النحل الفردية لأكثر من 48 ساعة (على الرغم من أن نوبة الشرى التي تأتي وتذهب يمكن أن تستمر لـ 6 أسابيع أو أكثر).
علاج الشرى: تخفيف الأعراض والوقاية
يهدف علاج الشرى إلى تخفيف الأعراض ومنع تكرارها، وغالبًا ما يزول الشرى من تلقاء نفسه بعد يوم أو يومين.
تجنب المحفزات
- - إذا كان السبب واضحًا أو إذا تعرف الطبيب على سبب الحالة، فينبغي على الأشخاص تجنبه قدر المستطاع.
- - أما إذا كان السبب غير واضح، فينبغي على الأشخاص التوقف عن استعمال جميع الأدوية غير الضرورية حتى يهدأ الشرى.
تدابير لتخفيف الحكة
- - يمكن للاقتصار على الاستحمام بالماء البارد أن يساعد على تخفيف شدة الأعراض.
- - الامتناع عن خدش الجلد لتجنب تفاقم التهيج.
- - ارتداء ملابس فضفاضة ومريحة لتجنب الاحتكاك.
الأدوية
- - مضادات الهيستامين الفموية: تُستخدم هذه الأدوية في معالجة الشرى، وتعمل على التخفيف من الحكة بشكل جزئي وتحد من التورم. لتكون هذه الأدوية فعالة، ينبغي أخذها بشكل منتظم بدلاً من أخذها عند الحاجة. توجد العديد من مضادات الهيستامين المتاحة دون وصفة طبية مثل سيتريزين (cetirizine) وديفينهيدرامين (diphenhydramine) ولوراتادين (loratadine). ديفينهيدرامين هو مضاد الهيستامين الأقدم والأكثر ميلاً لأن يسبب النعاس مقارنة بسيتريزين ولوراتادين. تشتمل مضادات الهيستامين الأخرى على ديسلوراتيدين (desloratadine) وفيكسوفينادين (fexofenadine) وهيدروكسيزين (hydroxyzine) وليفوسيتريزين (levocetirizine).
- - تحذير: لا يجري تطبيق الرهيمات والغسولات التي تحتوي على مضاد للهستامين على الجلد، لأنها قد تجعل الجلد حساسًا وتفاقم من الحكة.
- - الستيرويدات القشرية الفموية: يتم استعمال الستيرويدات القشرية عن طريق الفم (مثل بريدنيزون) إذا كانت الأعراض شديدة ولم تكن المعالجات الأخرى فعالة. ويجري استعمالها لأقصر فترة ممكنة، حيث أن أخذها لأكثر من 3 إلى 4 أسابيع قد يسبب الكثير من الآثار الجانبية الخطيرة. قد لا تكون رهيمات الستيرويدات القشرية مفيدة.
- - الإبينفرين: يسبب الإبينفرين تضيق الأوعية الدموية وتوسع المسالك الهوائية في الرئتين. يُستعمل الإبينفرين لدى الأشخاص الذين يعانون من ردود فعل تحسسية شديدة أو وذمة وعائية، وخاصة عند دخولهم المستشفى. ينبغي على المرضى الذين لديهم ردود فعل تحسسية شديدة أن يحملوا معهم قلم الحقن الذاتي لدواء الإبينفرين (مِحقن ذاتي للإبينفرين) واستعماله مباشرة عند عودة حدوث رد الفعل التحسسي.
- - أدوية الشرى المزمن: يختفي الشرى عند حوالي نصف الأشخاص المصابين بالشرى المزمن دون معالجة في غضون عامين. قد يجري استخدام أوماليزوماب (omalizumab) ودوبيلوماب (dupilumab)، وهما من الأضداد وحيدة النسيلة، من قبل الأشخاص الذين استمرت معاناتهم من الشرى المزمن رغم استعمالهم علاجات أخرى.
الشرى وكبار السن: اعتبارات خاصة
عند التعامل مع الشرى لدى كبار السن، هناك اعتبارات خاصة يجب أخذها في الحسبان بسبب حساسيتهم للآثار الجانبية لبعض الأدوية.
- - يكون كبار السن أكثر عرضة لظهور آثار جانبية عند استعمالهم مضادات الهيستامين القديمة، مثل هيدروكسيزين (hydroxyzine) وديفينهيدرامين (diphenhydramine).
- - بالإضافة إلى النعاس الشديد، يمكن أن تسبب هذه الأدوية تخليطًا ذهنيًا وهذيانًا، مما يؤثر سلبًا على الوظائف المعرفية.
- - كما يمكن أن تجعل هذه الأدوية من الصعب البدء والاستمرار في التبول، وهي مشكلة شائعة لدى كبار السن.
- - لذلك، ينبغي عادةً عدم استعمال كبار السن لمضادات الهيستامين هذه في معالجة الشرى، ويفضل اللجوء إلى الخيارات الأحدث التي تسبب آثارًا جانبية أقل.



