
انقطاع الحيض: الأسباب والعلاج
انقطاع الحيض، المعروف طبيًا باسم "Amenorrhea"، هو غياب الدورة الشهرية لدى النساء في سن الإنجاب. قد يكون هذا العرض مقلقًا، خاصة إذا لم تكن المرأة حاملاً أو مرضعة. يمكن أن يشير انقطاع الحيض إلى مشكلات صحية مختلفة تتراوح من التغيرات الهرمونية الطبيعية إلى حالات طبية أكثر خطورة تستدعي الانتباه. فهم أسباب هذا الانقطاع ومتى يجب طلب المساعدة الطبية أمر بالغ الأهمية للحفاظ على الصحة الإنجابية والعامة.
ما هو انقطاع الحيض؟ وما هي أنواعه؟
يُعرَّف انقطاع الحيض بأنه غياب الدورات الشهرية لدى المرأة. – قد يكون هذا الغياب طبيعيًا في بعض الفترات مثل الحمل والرضاعة الطبيعية وسن اليأس. – لكن إذا حدث في أوقات أخرى، فقد يكون مؤشرًا على وجود مشكلة صحية كامنة تستدعي التقييم. – ينقسم انقطاع الحيض إلى نوعين رئيسيين:
انقطاع الحيض الأولي (Primary Amenorrhea)
- يحدث عندما لا تبدأ الدورات الشهرية لدى الفتاة على الإطلاق.
- غالبًا ما يُشخص إذا لم تبدأ الدورة بحلول سن 15 عامًا، أو إذا لم تظهر علامات البلوغ (مثل نمو الثدي) بحلول سن 13 عامًا.
انقطاع الحيض الثانوي (Secondary Amenorrhea)
- يحدث عندما تتوقف الدورات الشهرية لدى امرأة كانت دورتها منتظمة سابقًا لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر.
- أو إذا كانت دورتها غير منتظمة وتوقفت لمدة ستة أشهر أو أكثر.
- يُعد انقطاع الحيض الثانوي أكثر شيوعًا من الأولي.
كيف تعمل الدورة الشهرية؟ (النظام الهرموني)
تُنظَّم الدورات الشهرية بواسطة نظام هرموني معقد يشمل عدة غدد وأعضاء. – يقوم هذا النظام بإنتاج هرمونات محددة شهريًا لتجهيز الجسم، وخاصة الرحم، لاحتمال حدوث الحمل. – في حال عدم حدوث حمل، ينتهي هذا التسلسل بانسلاخ بطانة الرحم، مما يؤدي إلى حدوث الدورة الشهرية. – تشمل الهرمونات والبنى الرئيسية في هذا النظام ما يلي:
- **الوطاء (Hypothalamus):** جزء من الدماغ يساعد على التحكم في الغدة النخامية.
- **الغدة النخامية (Pituitary Gland):** تنتج الهرمون اللوتيني (LH) والهرمون المنشط للحويصلة (FSH)، وهما ضروريان لعمل المبيضين.
- **المبيضان (Ovaries):** ينتجان هرموني الإستروجين والبروجسترون، وهما الهرمونان الأنثويان الرئيسيان.
يمكن لهرمونات أخرى، مثل هرمونات الغدة الدرقية والبرولاكتين (الذي تنتجه الغدة النخامية)، أن تؤثر بشكل كبير على انتظام الدورة الشهرية.
أسباب انقطاع الحيض
تتراوح أسباب انقطاع الحيض بين الاضطرابات الهرمونية والعيوب الخلقية والاضطرابات الوراثية وتأثيرات بعض الأدوية. – السبب الأكثر شيوعًا لانقطاع الحيض لدى النساء غير الحوامل أو المرضعات هو خلل في وظيفة أي جزء من النظام الهرموني (الوطاء، الغدة النخامية، المبيض). – عندما يحدث خلل في هذا النظام، قد لا يحرر المبيضان بويضة، ويُسمى هذا النوع من انقطاع الحيض بخلل الوظيفة الإباضية. – يمكن أن ينجم انقطاع الحيض أيضًا عن حالات تؤثر في الرحم أو عنق الرحم أو المهبل، حتى لو كان النظام الهرموني يعمل بشكل طبيعي. – على سبيل المثال، قد لا يحدث نزيف الحيض بسبب تندب الرحم (متلازمة أشرمان)، أو تضيق عنق الرحم، أو عيب خلقي يعيق تدفق دم الحيض من المهبل. – تعتمد الأسباب الأكثر شيوعًا على ما إذا كان انقطاع الحيض أوليًا أم ثانويًا.
أسباب انقطاع الحيض الأولي
الاضطرابات التي تسبب انقطاع الحيض الأولي نادرة نسبيًا، ولكن الأكثر شيوعًا منها تشمل:
- **الاضطرابات الجينية:** مثل متلازمة تيرنر (غياب جزئي أو كلي لأحد الصبغيين الجنسيين X)، متلازمة كالمان (انخفاض في الهرمونات الجنسية الأنثوية)، فرط تنسج الكظر الخلقي (إفراط في إنتاج الهرمونات الذكرية)، اضطرابات الأعضاء التناسلية الغامضة، أو وجود الصبغي Y.
- **العيوب الخلقية في الأعضاء التناسلية:** مثل غشاء البكارة الرتقاء الذي يمنع تدفق دم الحيض.
في بعض الأحيان، يتأخر البلوغ عند الفتيات دون وجود اضطراب، وتبدأ الدورات الشهرية بشكل طبيعي في سن متأخرة، وقد يكون هذا التأخر وراثيًا.
أسباب انقطاع الحيض الثانوي
تشمل الأسباب الأكثر شيوعًا لانقطاع الحيض الثانوي ما يلي:
- **الحمل والرضاعة الطبيعية:** وهما السببان الأكثر شيوعًا لدى النساء في سن الإنجاب.
- **خلل وظيفي في الوطاء:** يمكن أن يحدث بسبب عدم كفاية السعرات الحرارية أو اضطرابات الأكل (مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي)، الإفراط في ممارسة الرياضة، الاضطرابات الأيضية، الإجهاد العاطفي والنفسي، بعض الأدوية (مضادات الذهان، مضادات الاكتئاب، مضادات الصرع)، أو إساءة استخدام المواد المخدرة.
- **متلازمة المبيض متعدد الكيسات (PCOS):** وهي حالة هرمونية شائعة.
- **انقطاع الطمث المبكر (قصور المبيض الأولي):** توقف وظيفة المبيضين قبل سن الأربعين.
- **خلل وظيفي في الغدة النخامية أو الغدة الدرقية:** قد يكون بسبب أورام أو إصابات في الغدة النخامية، ارتفاع مستويات البرولاكتين، أو قصور/فرط نشاط الغدة الدرقية.
- **استعمال أدوية معينة:** مثل بعض أقراص منع الحمل، ومضادات الاكتئاب، والأدوية المضادة للذهان، وبعض أدوية ضغط الدم.
تشمل الأسباب الأقل شيوعًا الاضطرابات المزمنة (مثل أمراض الرئة، الجهاز الهضمي، الكلى، الكبد)، بعض أمراض المناعة الذاتية، السرطان، عدوى فيروس نقص المناعة البشرية، العلاج الإشعاعي، إصابات الرأس، متلازمة كوشينغ، وخلل وظيفي في الغدد الكظرية. – تندب الرحم (بسبب العدوى أو الجراحة)، والسلائل، والأورام الليفية يمكن أن تسبب أيضًا انقطاع الحيض الثانوي. – بعض الاضطرابات الوراثية مثل متلازمة الصبغي X الهش أو متلازمة تيرنر قد تؤدي إلى توقف الدورة الشهرية مبكرًا (سن اليأس قبل الأوان).
متى يجب مراجعة الطبيب؟ (العلامات التحذيرية)
يجب على الفتيات والنساء اللواتي يعانين من انقطاع الحيض الانتباه لبعض الأعراض التي تستدعي القلق ومراجعة الطبيب:
علامات تستدعي مراجعة الطبيب للفتيات
- عدم ظهور أي علامات للبلوغ (مثل نمو الثدي) بحلول عمر 13 عامًا.
- عدم بدء الدورات الشهرية بعد 3 سنوات من بدء نمو الثديين.
- عدم بدء الدورة الشهرية عند بلوغ سن 15 عامًا، مع وجود خصائص جنسية ثانوية طبيعية.
علامات تستدعي مراجعة الطبيب للنساء في سن الإنجاب
- توقف 3 فترات حيض متتالية.
- حدوث أقل من 9 فترات حيض خلال السنة.
- تغير مفاجئ في نمط الدورات الشهرية.
علامات تحذيرية إضافية (لكلتا الفئتين)
- ظهور ملامح ذكورية، مثل زيادة شعر الجسم والصوت العميق وزيادة حجم العضلات.
- مشاكل في الرؤية أو صداع مستمر.
- ضعف حاسة الشم.
- إفرازات حليبية من الحلمة تحدث بشكل عفوي.
- تغير كبير وغير مبرر في الوزن.
- هبات ساخنة، جفاف مهبلي، أو تعرق ليلي.
- الارتعاش أو الخمول مع تغيرات في الوزن.
- تآكل ميناء الأسنان أو تضخم الغدد اللعابية في الخدين.
تشخيص انقطاع الحيض
يبدأ الأطباء بتقييم شامل يشمل التاريخ الطبي المفصل، بما في ذلك التاريخ الطمثي، والفحص السريري. – من خلال التاريخ الطمثي، يتم تحديد ما إذا كان انقطاع الحيض أوليًا أم ثانويًا. – تُسأل المرأة عن عمرها عند بدء الحيض، موعد آخر دورة، وخصائص الدورات السابقة. – أما الفتيات، فتُسألن عن عمرهن عند بدء البلوغ وما إذا كان هناك تاريخ عائلي لدورات غير طبيعية. – يشمل الفحص السريري تقييم ظهور الملامح الجنسية الثانوية، فحص الثدي، وفحص الحوض للتحقق من تطور الأعضاء التناسلية ووجود أي تشوهات. – يبحث الأطباء عن أعراض أخرى قد تشير إلى السبب، مثل إفرازات حليبية من الحلمتين، صداع أو مشاكل في الرؤية، ملامح ذكورية، هبات ساخنة، أو علامات اضطراب الغدة الدرقية أو اضطرابات الأكل.
الاختبارات التشخيصية
تعتمد الاختبارات على نتائج التقييم الأولي والسبب المشتبه به. – يُجرى اختبار الحمل دائمًا أولاً للنساء في سن الإنجاب. – تشمل اختبارات الدم قياس مستويات هرمونات محددة مثل البرولاكتين، هرمونات الغدة الدرقية، الهرمون المنبه للحويصلة (FSH)، والهرمونات الذكرية. – تُجرى اختبارات تصوير مثل الموجات فوق الصوتية للحوض والبطن للتحقق من وجود أورام أو عيوب خلقية. – قد يُجرى التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) للدماغ أو الحوض إذا كانت هناك حاجة لمزيد من التفاصيل. – قد يشمل التشخيص فحص الكروموسومات للتحقق من الاضطرابات الوراثية. – يمكن إجراء تنظير الرحم أو تصوير الرحم والبوق (HSG) لرؤية الجزء الداخلي من الرحم وقناتي فالوب. – في بعض الحالات، تُعطى الهرمونات (البروجستين أو الإستروجين مع البروجستين) في "اختبار التحدي الهرموني" لمحاولة تحفيز نزيف الحيض، مما يساعد في تحديد ما إذا كان السبب هرمونيًا أو بنيويًا.
علاج انقطاع الحيض
يركز العلاج على معالجة الاضطراب الأساسي المسبب لانقطاع الحيض. – غالبًا ما يؤدي علاج السبب الكامن إلى عودة الدورات الشهرية. – على سبيل المثال، إذا كان السبب اضطرابًا هرمونيًا يمكن علاجه مثل قصور الغدة الدرقية، فإن العلاج يعيد الدورات الشهرية عادةً. – إذا كان هناك شذوذ بنيوي يمكن إصلاحه جراحيًا، فعادةً ما يستأنف الطمث بعد الجراحة. – إذا لم تبدأ الدورات الشهرية لدى الفتاة وكانت جميع الاختبارات طبيعية، فقد يوصي الطبيب بمراقبة التقدم في البلوغ، وقد تستخدم دواء يُسمى البروجستين، وأحيانًا الإستروجين، لتحفيز بدء الدورات الشهرية وتطوير الملامح الجنسية الثانوية.
معالجة المشاكل المرتبطة بانقطاع الحيض
- **صعوبة الحمل (العقم):** قد تكون هناك حاجة لأدوية هرمونية لتحفيز الإباضة عند الرغبة في الحمل.
- **آثار نقص الإستروجين على المدى الطويل:** مثل نقص كثافة العظام (هشاشة العظام)، وجفاف المهبل، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. يمكن النظر في العلاج الهرموني (العلاج بالهرمونات البديلة) لمعالجة هذه الآثار.
- **زيادة شعر الجسم:** يمكن علاج الاضطراب المسبب أو استخدام تقنيات إزالة الشعر للتخلص من الشعر الزائد.
لتقليل تأثيرات نقص الإستروجين على العظام، يُنصح بتناول فيتامين D، وزيادة الكالسيوم من خلال النظام الغذائي أو المكملات، واستخدام أدوية مثل البيسفوسفونات أو دينوسوماب. – الاضطرابات الجينية، مثل متلازمة تيرنر، لا يمكن علاجها. – إذا كانت المرأة تحمل الصبغي Y، يوصى بالاستئصال الجراحي لكلا المبيضين بسبب زيادة خطر الإصابة بسرطان الخلايا الجنسية المبيضية.



