
بكاء الأطفال: متى تقلق؟
يُعد بكاء الرُّضَّع والأطفال الصغار وسيلةً أساسيةً للتواصل والتعبير عن احتياجاتهم ورغباتهم. فمن خلال البكاء، يُشير الطفل إلى الجوع، الانزعاج، الخوف، أو الحاجة إلى القرب من والديه. عادةً ما يكون هذا البكاء طبيعيًا ويتوقف بمجرد تلبية احتياجات الطفل، مثل الرضاعة أو تغيير الحفاض. ولكن، في بعض الحالات النادرة، قد يكون البكاء المفرط أو المستمر علامةً على وجود مشكلة صحية تتطلب اهتمامًا طبيًا. معرفة متى يكون البكاء طبيعيًا ومتى يستدعي القلق أمر بالغ الأهمية لكل والد.
أسباب بكاء الأطفال الطبيعي
البكاء هو الطريقة الأولى التي يتواصل بها الرُّضَّع والأطفال الصغار مع العالم من حولهم. إنه تعبير طبيعي عن احتياجاتهم ومشكلاتهم.
- احتياجات أساسية: غالبًا ما يكون البكاء رد فعل على الجوع، الانزعاج (مثل حفاض مبلل)، الخوف، أو الانفصال عن الوالدين. يتوقف هذا النوع من البكاء عادةً عند تلبية الحاجة، مثل الرضاعة، التجشؤ، تغيير الحفاض، أو احتضان الطفل.
- التطور العمري: يميل البكاء إلى أن يصبح أقل تكرارًا وأقصر مدة بعد بلوغ الأطفال عمر 3 أشهر، مع تطور قدراتهم على التواصل بطرق أخرى.
- التعب وصعوبات النوم: يُعد التعب سببًا شائعًا لبكاء الرُّضَّع. بين عمر 6 أشهر و3 سنوات، قد يبكي الطفل ليلًا بسبب صعوبة العودة إلى النوم بعد الاستيقاظ الطبيعي، خاصة إذا كان معتادًا على ظروف نوم معينة كالهز أو استخدام اللهاية.
- مخاوف ليلية: الأطفال الذين تتجاوز أعمارهم 3 سنوات قد يشعرون بالخوف ليلًا. تختلف هذه المخاوف باختلاف عمر الطفل ومرحلة نموه العاطفي.
- نوبات الرعب الليلي: في بعض الأحيان، يبكي الأطفال بين 3 و8 سنوات خوفًا في منتصف الليل دون أن يكونوا مدركين أو قادرين على الشعور بالراحة، ولا يتذكرون الحلم أو البكاء عند الاستيقاظ صباحًا. تُعرف هذه الحالات بنوبات الرعب الليلي.
متى يكون البكاء مؤشرًا لمشكلة طبية؟
في أكثر من 95% من الحالات، لا يوجد اضطراب طبي محدد يسبب البكاء المفرط. ومع ذلك، في أقل من 5% من الحالات، قد يكون البكاء المفرط ناجمًا عن مشكلة طبية.
اضطرابات طبية غير خطيرة بشكل فوري:
- الارتجاع المَعِدي المريئي: حيث يعاني الطفل من ارتداد محتويات المعدة.
- عاصبة الشعر: التفاف شعرة حول إصبع اليد، القدم، أو القضيب، مما يسبب الألم والتورم.
- سحجة قرنويَّة: خدش على سطح العين.
- الشق الشرجي: تمزق صغير في بطانة الشرج.
- عدوى الأذن الوسطى: التهاب في الأذن يمكن أن يسبب ألمًا شديدًا.
اضطرابات طبية خطيرة تتطلب عناية فورية:
- انسداد الأمعاء: مثل الانغلاف (انزلاق جزء من الأمعاء داخل جزء آخر) أو الانفتال (التواء في الأمعاء).
- فشل القلب: ضعف في قدرة القلب على ضخ الدم.
- التهاب السحايا: التهاب الأغشية المحيطة بالدماغ والحبل الشوكي.
- إصابات الرأس: التي تسبب نزيفًا داخل الجمجمة.
غالبًا ما يعاني الأطفال المصابون بهذه الاضطرابات الخطيرة من أعراض أخرى مثل القيء أو الحمى، مما ينبه الأهل إلى وجود مشكلة خطيرة. ومع ذلك، قد يكون البكاء المفرط هو العلامة الأولى في بعض الأحيان.
المغص:
المغص هو حالة من البكاء المفرط ليس له سبب محدد، ويستمر 3 ساعات على الأقل يوميًا، لأكثر من 3 أيام في الأسبوع، ولأكثر من 3 أسابيع. يحدث المغص عادةً عند الرُّضَّع الذين تتراوح أعمارهم بين 6 أسابيع و3 أو 4 أشهر.
علامات تحذيرية تستدعي الانتباه الفوري
تُثير بعض الأعراض القلق وتُشير إلى أن اضطرابًا طبيًا قد يسبب البكاء. يجب الانتباه لهذه العلامات:
- صعوبة في التنفس.
- كدمات أو تورم على الرأس أو أجزاء أخرى من الجسم.
- حركات غير طبيعية أو نفضان في أي جزء من الجسم.
- التهيج الشديد (حيث يسبب التعامل أو الحركة الطبيعية بكاءً أو ضيقًا).
- البكاء المستمر، خاصة إذا كان مترافقًا مع حمى.
- كيس الصفن المحمر و/أو المتورم.
- حدوث حمى عند الرضيع الذي لم يتجاوز عمره 8 أسابيع.
متى يجب زيارة الطبيب؟
يجب تقييم الأطفال من قبل الطبيب مباشرةً في الحالات التالية:
- إذا كانت لديهم أي من العلامات التحذيرية المذكورة أعلاه.
- إذا كانوا يتقيؤون بشكل متكرر.
- إذا توقفوا عن تناول الطعام.
- إذا لاحظ الوالدان تورمًا في البطن.
- إذا كان هناك احمرار أو تورم في كيس الصفن.
- إذا ظهر أي سلوك غير طبيعي آخر بالإضافة إلى البكاء.
إذا بدا الأطفال طبيعيين في غياب هذه العلامات، يمكن للوالدين محاولة القيام بتدابير نموذجية مثل التغذية، التجشؤ، تغيير الحفاض، والاحتضان. إذا استمر البكاء بعد هذه التدابير، يجب على الوالدين الاتصال بالطبيب. يمكن للطبيب المساعدة في تحديد مدى سرعة حصول الطفل على التقييم.
كيف يُقيّم الطبيب بكاء طفلك؟
عند زيارة الطبيب لتقييم بكاء الطفل، سيتبع الطبيب الخطوات التالية:
- التاريخ الطبي والأعراض: يستفسر الأطباء في البداية عن الأعراض التي يعاني منها الطفل وعن تاريخه الطبي.
- الفحص السريري: يقوم الطبيب بإجراء فحص سريري شامل. غالبًا ما تشير نتائج التاريخ الصحي والفحص السريري إلى سبب البكاء وإلى الاختبارات التي قد تكون ضرورية.
- أسئلة حول البكاء: يسأل الأطباء أسئلة مفصلة حول البكاء، مثل: متى بدأ؟ ما مدته؟ كم مرة يحدث؟ هل يرتبط بالتغذية أو التبرز؟ ومدى استجابة الرُّضَّع لمحاولات التهدئة.
- الأحداث الأخيرة والأدوية: يُسأل الوالدان عن الأحداث الأخيرة التي قد تفسر البكاء (مثل التطعيمات، الإصابات، الأمراض الحديثة)، وعن الأدوية التي تُعطى للرضيع.
- علاقة الوالدين بالرضيع: يطرح الأطباء أسئلة لمعرفة مدى ارتباط الوالدين بالرضيع وإدارتهم لاحتياجاته.
- فحص دقيق: يُجرى فحص سريري للتحري عن أعراض الاضطرابات التي يمكن أن تسبب الانزعاج أو الألم. يدقق الأطباء بشكل خاص في عيني الطفل بحثًا عن سحجة في القرنية، وفي أصابع يديه وقدميه وقضيبه للتحري عن وجود عاصبة شعر.
الفحوصات والتشخيص
قد يكون من الضروري إجراء اختبارات وفقًا لأعراض الرضيع والأسباب التي يشتبه بها الأطباء. إذا كان الفحص الطبي لا يشير إلى اضطراب خطير، فليس من الضروري إجراء اختبارات عادةً، ولكن الأطباء قد يقومون بجدولة مواعيد مراجعة لإعادة تقييم الرضيع.
بعض الاضطرابات الطبية التي تسبب البكاء المفرط والاختبارات المرتبطة بها:
- اضطرابات القلب (فشل القلب أو اضطراب نظم القلب):
- الخصائص: صعوبة في التنفس والتغذية، تعرق مفرط، صوت غير طبيعي في القلب.
- الاختبارات: الأشعة السينية للصدر، تخطيط كهربية القلب (ECG)، تخطيط صدى القلب (Echocardiography). - الحساسية لبروتين حليب البقر:
- الخصائص: قيء، إسهال أو إمساك، تغذية سيئة، نقص الوزن أو ضعف النمو، دم في البراز، طفح جلدي.
- الاختبارات: اختبار عينات من البراز، تحسن الأعراض عند تغيير تركيبة الحليب أو نظام الأم الغذائي، احتمال إجراء تنظير داخلي أو تنظير القولون. - الإمساك:
- الخصائص: صعوبة في خروج البراز القاسي، نقص في عدد مرات التبرز، ألم واضح أثناء التبرز، تمزقات (شقوق) في الشرج.
- الاختبارات: فحص الطبيب. - الارتجاع المعدي المريئي:
- الخصائص: أعراض تظهر بعد الرضاعة (تململ، بكاء، بصاق، تقوس الظهر)، سعال عند الاستلقاء، زيادة طفيفة في الوزن.
- الاختبارات: فحص الطبيب، تجربة الأدوية المثبطة لإنتاج الحمض، تصوير بالأشعة السينية للجزء العلوي من السبيل الهضمي، اختبار قياس الحموضة أو مسبار المعاوقة، التنظير الداخلي. - الفتق المنحبس:
- الخصائص: انتفاخ أحمر ومتورم ومؤلم عند اللمس في الفخذ.
- الاختبارات: فحص الطبيب. - الانغلاف (انزلاق جزء من الأمعاء في جزء آخر):
- الخصائص: بكاء يحدث في نوبات كل 15-20 دقيقة، رفع الأرجل إلى الصدر، ألم عند جس البطن، براز شبيه بهلام الزبيب (يحتوي على الدم).
- الاختبارات: تصوير البطن بتخطيط الصدى، حقنة شرجية هوائية. - الانفتال (التواء الأمعاء):
- الخصائص: قيء، تورم البطن، ألم عند جس البطن، احتمال وجود دم في البراز أو عدم خروج براز.
- الاختبارات: تصوير البطن بالأشعة السينية، حقنة شرجية هوائية أو بالباريوم. - عدوى الأذن (التهاب الأذن الوسطى):
- الخصائص: أعراض الزكام (سيلان الأنف، سعال)، حمى أحيانًا، ألم في الأذن.
- الاختبارات: فحص الطبيب. - التهاب السحايا:
- الخصائص: حمى، خمول أو كسل، بروز البقع الرخوة (اليوافيخ)، تململ وتهيج، مقاومة، ضعف التغذية.
- الاختبارات: البزل الشوكي (البزل القطني). - عدوى المسالك البولية:
- الخصائص: حمى، بكاء أو شكوى من الألم أثناء التبول.
- الاختبارات: تحليل البول وزرع البول. - عظم مكسور:
- الخصائص: تورم أو تكدم، الإحجام عن استعمال الطرف، ألم أثناء الاستحمام أو تغيير الحفاض أو فحص الطبيب.
- الاختبارات: التصوير بالأشعة السينية. - سحجة قرنوية (خدش على سطح العين):
- الخصائص: لا توجد أعراض أخرى ظاهرة.
- الاختبارات: فحص العين بعد تطبيق قطرة عينية تجعل السحجات واضحة (اختبار فلوريسيين). - عاصبة الشعر (Hair tourniquet):
- الخصائص: تورم طرف إصبع القدم أو اليد أو القضيب بواسطة شعرة ملفوفة.
- الاختبارات: فحص الطبيب. - إصابة في الرأس:
- الخصائص: بكاء حاد النبرة دون مبرر، منطقة متورمة على الرأس.
- الاختبارات: فحص الطبيب، تصوير الرأس بالتصوير المقطعي المحوسب. - التسنين أو الإثغار (بزوغ الأسنان):
- الخصائص: بزوغ الأسنان أو الاستعداد لبزوغها، سيلان اللعاب، أرق أو نوم مشوش، حمى خفيفة أحيانًا، الأعراض تزول بعد بزوغ الأسنان.
- الاختبارات: فحص الطبيب. - التواء الخصية (انفتال الخصية):
- الخصائص: تورم واحمرار وشعور بالألم في الصفن.
- الاختبارات: التصوير الدوبلري للصفن بالأمواج فوق الصوتية. - رد فعل تجاه لقاح:
- الخصائص: تلقي جرعة حديثة من أحد اللقاحات (خلال 24-48 ساعة).
- الاختبارات: فحص الطبيب.
علاج بكاء الأطفال والتدابير المنزلية
يعتمد علاج بكاء الأطفال على السبب الكامن وراءه. فإذا كان هناك اضطراب طبي محدد، يتم علاجه بشكل مباشر. على سبيل المثال، يتم نزع عاصبة الشعر، أو تُعالج السحجة القرنية بمرهم مضاد حيوي.
تدابير منزلية لتهدئة البكاء غير المرتبط بمرض:
بالنسبة للرُّضَّع غير المصابين باضطراب معين، ينبغي على الوالدين أو مقدمي الرعاية مواصلة البحث عن أسباب واضحة للبكاء وتلبية تلك الاحتياجات. يمكن تجربة استراتيجيات مختلفة أخرى لتهدئة الرضيع:
- حمله أو هزه بلطف أو التربيت عليه.
- الاستماع إلى أصوات لطيفة، مثل صوت المطر أو الأصوات المنتجة إلكترونيًا (مروحة، غسالة، مكنسة كهربائية، مجفف شعر).
- الركوب في السيارة.
- مص اللهاية.
- استعمال حلمات ذات ثقوب أصغر إذا كان الرُّضَّع يرضعون بسرعة كبيرة.
- التقميط (لف الطفل) في كيس النوم.
- مساعدته على التجشؤ.
- تغذيته (ولكن يجب تجنب الإفراط في التغذية في محاولة لإيقاف البكاء).
عندما يكون سبب البكاء هو التعب، فإن العديد من التدخلات المذكورة قد تهدئ الطفل لفترة قصيرة فقط، ليعود إلى البكاء بمجرد توقف التنبيه. قد يكون تشجيع الرُّضَّع على التهدئة الذاتية والنوم الذاتي أكثر فعالية عن طريق وضعهم بشكل روتيني في أسرتهم وهم مستيقظون.
نصائح إضافية:
- للأمهات المرضعات: قد تلاحظ الأمهات أن تناول أطعمة معينة يجعل الرضيع يبكي بعد الرضاعة. يُنصح بتجنب هذه الأطعمة.
- التسنين: تنتهي فترة التسنين في نهاية المطاف، ويقل البكاء الذي يسببه مع مرور الوقت. يمكن لمسكنات الألم الخفيفة مثل الأسيتامينوفين أو الإيبوبروفين وعضاضات التسنين أن تساعد خلال هذه الفترة. يجب عدم استعمال منتجات التسنين التي تحتوي على البنزوكايين المخدر للألم لوجود خطر ظهور تأثير جانبي خطير يسمى ميتهيموغلوبين الدم.
دعم الوالدين في التعامل مع بكاء الطفل
يمكن أن يشعر الوالدان بالإرهاق والإجهاد عندما يبكي الرضيع بشكل مفرط دون سبب واضح. من المهم جدًا أن يدرك الوالدان أن هذا أمر طبيعي وأن يطلبوا الدعم عند الحاجة.
- طلب المساعدة: يجب على الوالدين طلب أي مساعدة يحتاجونها من الأشقاء، الأصدقاء، أو مقدمي رعاية الأطفال.
- مشاركة المشاعر: من الضروري مشاركة مشاعرهم ومخاوفهم مع بعضهم البعض ومع أشخاص داعمين آخرين.
- أخذ استراحة: إذا شعر الوالدان بالإحباط الشديد، فعليهم أخذ استراحة من الرضيع أو الطفل الباكي ووضع الطفل في بيئة آمنة لبضع دقائق. هذه الاستراتيجية يمكن أن تساعد الوالدين على التكيف ومنع إساءة المعاملة.
- الدعم العاطفي: يمكن للدعم العاطفي من الأصدقاء وأفراد الأسرة والجيران والأطباء أن يساعد الوالدين على مواجهة هذه المرحلة الصعبة.
- خدمات الدعم: يمكن للأطباء تقديم معلومات حول خدمات دعم الوالدين الذين يشعرون بالانكسار أو الإرهاق.



