منصة طبية عربية مهتمة بتقديم المحتوي الطبي الموثوق...
الانتباذ البطاني الرحمي، أو ما يعرف بـ “بطانة الرحم المهاجرة”، هو حالة مرضية تتسم بوجود نسيج مشابه لبطانة الرحم خارج الرحم، غالبًا في منطقة الحوض. قد يؤثر ذلك على المبيضين، وقنوات فالوب، والمثانة، والأمعاء، مما يسبب التهابات وألم. تشمل المراحل الأولى آفات صغيرة، بينما قد يصل في المراحل المتقدمة إلى العقم. العلاج المبكر يقلل من خطر المضاعفات ويحسن فرص الحمل.
تحميل المقالة
بطانة الرحم المهاجرة، أو الانتباذ البطاني الرحمي، هي حالة طبية تتميز بوجود أنسجة شبيهة ببطانة الرحم في مناطق أخرى من الجسم خارج الرحم، وخاصة في منطقة الحوض. قد توجد هذه الأنسجة في المبيضين، وقناة فالوب، والمثانة، والأمعاء، والمستقيم، والمهبل. في حالات نادرة جدًا، يمكن أن تتواجد هذه الأنسجة على الحجاب الحاجز والرئتين، أو في منطقة السرة، أو الندوب والجروح القديمة في جدار البطن. تُعرف الأنسجة الموجودة خارج الرحم بغرسة بطانة الرحم، وتتأثر بالتغيرات الهرمونية للدورة الشهرية، حيث تتفاعل مع الهرمونات كأنسجة بطانة الرحم الطبيعية. بالتالي، تنمو وتزداد سمكًا مع زيادة مستوى الهرمونات الجنسية، ثم تنكسر وتتحلل مع انخفاض مستوى الهرمونات، مما يسبب النزيف الداخلي. هذا النزيف لا يجد مخرجًا من الجسم، مما يؤدي إلى احتباسه في المنطقة، وحدوث التهاب، وألم، والتصاقات جدارية. إذا تواجدت هذه الأنسجة في المبيضين، فقد تتكون أكياس الشوكولاتة. تعتبر بطانة الرحم المهاجرة مشكلة صحية شائعة بين النساء في سن الخصوبة (15-44 عامًا)، وهي أحد الأسباب الرئيسية لتأخر الحمل والإنجاب، وقد تؤدي إلى العقم إذا لم يتم علاجها في المراحل المبكرة. وجود تاريخ عائلي للإصابة (الأم أو الأخت) يزيد من خطر التشخيص، كما أنها شائعة بين النساء اللاتي يعانين من فترات حيض طويلة (أكثر من سبعة أيام). يمر داء البطانة الرحمية بأربع مراحل، تختلف حسب مكان وحجم وعدد وعمق التصاق غرسات بطانة الرحم. المرحلة الأولى تتضمن آفات صغيرة وغرسات سطحية على المبيض، مع التهاب محتمل في الحوض. المرحلة الثانية تتضمن آفات خفيفة وغرسات سطحية على المبيض وبطانة الحوض. المرحلة الثالثة تتضمن غرسات عميقة على المبيض وبطانة الحوض. المرحلة الرابعة تتضمن غرسات عميقة منتشرة في المبيضين وبطانة الحوض، وقد تصل إلى قناة فالوب والأمعاء، وتكون الإصابة بالعقم شائعة في هذه المرحلة. حوالي 75% من النساء المصابات بداء انتباذ بطانة الرحم لديهن المرحلة الأولى أو الثانية. تسلل بطانة الرحم العميق هو الشكل الأكثر عدوانية للمرض، ويظهر في المرحلتين الثالثة والرابعة، نتيجة تسلل الغرسات إلى أماكن أعمق في المبيض، أو المثانة، أو المستقيم، أو الجدار الجانبي للحوض. الألم أثناء ممارسة الجنس شائع لدى النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة، خاصة عند نمو البطانة خلف المهبل أو أسفل الرحم. قد يكون جفاف المهبل الناتج عن علاجات بطانة الرحم المهاجرة سببًا للألم أيضًا. تعتبر مشاكل الخصوبة وصعوبة الحمل أو العقم من المضاعفات الخطيرة لبطانة الرحم المهاجرة، ولكن العديد من النساء المصابات قادرات على الحمل دون صعوبة، خاصة في المراحل الخفيفة أو المتوسطة. قد تساعد الجراحة في إزالة نسيج الانتباذ البطاني الرحمي وتحسين فرص الحمل، ولكن لا يوجد ضمان لذلك، وقد تسبب مضاعفات مثل الالتهابات أو النزيف أو تلف الأعضاء. في حال لم تنجح الجراحة، يمكن التفكير في علاجات الخصوبة أو الإخصاب الصناعي. بعض الدراسات تشير إلى أن النساء المصابات ببطانة الرحم المهاجرة لديهن خطر أعلى للإصابة بأنواع معينة من سرطان المبيض، خاصة لدى النساء اللواتي لم يسبق لهن الحمل، واستخدام حبوب منع الحمل المركبة قد يقلل من هذه المخاطر.
لا يوجد سبب محدد وراء الإصابة ببطانة الرحم المهاجرة، لكن الوراثة تلعب دورًا محتملاً، حيث تزداد فرص الإصابة لدى النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي مع المرض. إحدى النظريات تشير إلى أن الأنسجة البطانية قد تتحرك باتجاه قناة فالوب بدلًا من الخروج من الجسم مع الحيض. نظرية أخرى تربط بين زيادة إنتاج هرمون الإستروجين والإصابة بالمرض. بالإضافة إلى ذلك، هناك دراسات تبحث في تأثير المناعة الذاتية، وإمكانية حدوث الإصابة بعد العمليات الجراحية في الرحم بسبب تكون الندوب.
عادةً ما تزداد حدة أعراض بطانة الرحم المهاجرة مع تفاقم المرض، وتعتمد بشكل كبير على موقع وعمق انتشار الأنسجة المهاجرة. ومع ذلك، قد لا تعاني بعض النساء المصابات، مثل اللاتي لديهن أكياس الشوكولاتة على المبيضين، من أي أعراض على الإطلاق. تشمل الأعراض الشائعة لبطانة الرحم المهاجرة ما يلي: آلام الدورة الشهرية الشديدة (عسر الطمث) التي تبدأ قبل الدورة بأيام وتستمر خلالها، وتختلف عن آلام الدورة العادية. عدم انتظام الدورة الشهرية، أو طول مدة الحيض عن المعتاد. الشعور بالألم أثناء أو بعد الجماع. ألم في الساق، الظهر، وأسفل البطن. ألم خلال فترة الإباضة. غزارة الدورة الشهرية أو النزيف، مع أو بدون وجود تجلطات. صعوبة في الحمل أو العقم، حيث تعاني نسبة كبيرة من المصابات ببطانة الرحم المهاجرة من العقم. ظهور أعراض بولية، خاصة أثناء الدورة، مثل الألم عند التبول أو ظهور دم في البول، في حال وجود الأنسجة المهاجرة في المثانة. ظهور أعراض في الجهاز الهضمي، خاصة أثناء الدورة، مثل الألم عند التبرز، ظهور دم في البراز، الإمساك، الإسهال، المغص، أو انسداد الأمعاء، في حال وجود الأنسجة المهاجرة في الأمعاء أو المستقيم، وقد تعاني المرأة من نزيف من المستقيم خلال الحيض.
يشمل تشخيص بطانة الرحم المهاجرة عدة إجراءات، تبدأ بالفحص السريري الذي يقوم به أطباء أمراض النساء ذوي الخبرة، حيث يمكن للفحص السريري اكتشاف المراحل المتقدمة من المرض والمساعدة في وضع خطة العلاج المناسبة وتحديد التحاليل اللازمة. على الرغم من أن فحوصات الدم والفحوصات الداخلية ليست حاسمة لتشخيص بطانة الرحم المهاجرة لأن أعراضها تتشابه مع حالات أخرى، إلا أنه يمكن الاستعانة بها مع الفحوصات الأخرى. من بين الفحوصات المساعدة: السونار أو الموجات فوق الصوتية، حيث يعتبر أول وسيلة لتشخيص الانتباذ البطاني المبيضي، ويمكن من خلاله تحديد وجود أكياس البطانة المهاجرة على المبيض. ومع ذلك، لا يمكن للسونار تشخيص المراحل المبكرة من المرض، ولكن يمكن للطبيب ذو الخبرة تشخيص المراحل المتقدمة في جدار الرحم والأمعاء. الرنين المغناطيسي يلعب دورًا أساسيًا في تحديد انتشار وعمق المرض، خاصة في حالات الندبات العميقة في الأحشاء التي قد لا تظهر في الفحص السريري أو تنظير البطن، وعادة ما يستخدم إذا كان هناك اشتباه في الانتباذ البطاني الرحمي العميق. يحتاج الرنين المغناطيسي إلى خبرات متخصصة لتحديد الندبات بدقة، وتتوفر هذه الخدمات عادة في مراكز متخصصة. تنظير البطن يعتبر الطريقة المثالية لتشخيص وتصنيف بطانة الرحم المهاجرة، حيث يسمح برؤية مدى انتشار المرض في الأمعاء والحوض، وهو الطريقة الوحيدة لتشخيص التهاب بطانة الرحم. يتم إدخال منظار البطن (كاميرا) في الحوض من خلال جرح صغير بالقرب من السرة، مما يسمح للجراح برؤية الأعضاء وأي غرس لبطانة الرحم، بالإضافة إلى الخراجات. يمكن خلال تنظير البطن إزالة الأماكن المصابة ومعالجتها في نفس الوقت، ولكن ذلك يحتاج إلى خبرة كبيرة، ويتم إجراء هذا النوع من الجراحة فقط في مراكز متخصصة في بعض الدول. أما بالنسبة لاختبارات الدم، فقد تم تقييم بعض المؤشرات الحيوية مثل CA125، ولكن قيمتها محدودة بسبب ارتفاع معدلها في أمراض أخرى، ومع ذلك، فإن المستوى المرتفع بين 50 و 150 قد يلاحظ بشكل متكرر في مرض بطانة الرحم المهاجرة.
يعتمد علاج بطانة الرحم المهاجرة على شدة المرض، وقد يشمل العلاج الهرموني الذي يهدف إلى تقليل مفعول هرمون الأستروجين، ويشمل: حبوب منع الحمل، هرمون البروجستيرون، دواء الدانازول (في حال رغبة المريضة في الحمل)، والأدوية المناهضة لهرمون إطلاق الغدد التناسلية. أما العلاج بالجراحة فيشمل إجراء شق البطن أو التنظير، بهدف استئصال المنطقة المصابة دون إحداث ضرر على الأعضاء التناسلية (الجراحة التحفظية)، أو استئصال الرحم، وعنق الرحم، والمبيضين (كخيار نهائي). يجب التنويه إلى أن بطانة الرحم المهاجرة مرض مزمن، ويهدف العلاج إلى تخفيف الأعراض ومنع تقدم المرض والمضاعفات. وحتى بعد استئصال المنطقة المصابة بالجراحة التحفظية، هناك احتمالية لعودة المرض (تصل إلى 40%)، لذلك قد يصف الطبيب العلاجات الدوائية بعد الجراحة لمنع تكرار الأعراض.